الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
587
انوار الأصول
وبهذا يظهر أنّ الوجه الثالث من الوجوه الأربعة التي أجاب بها المحقّق الخراساني رحمه الله عن الإشكال في غير محلّه . مضافاً إلى أنّ البدعة والتشريع ليس مجرّد عمل للقلب بل إنّه يتشكّل من عمل خارجي كالصيام في العيدين ومن عقد القلب بكونه مشروعاً . وإن شئت قلت : إنّ الاعتقاد القلبي يكون سبباً لانطباق عنوان التشريع على العمل الخارجي ، وعلى أيّ حال : يتّحد متعلّق الحرمة الذاتيّة مع متعلّق الحرمة التشريعيّة فيعود المحذور الذي في كلام المستشكل . وهكذا الوجه الأوّل والثاني ، أمّا الأوّل : فلأنّه مبني على تعلّق النهي في لسان الأدلّة على ذات الأفعال المنهي عنها مع أن الظاهر أنّه تعلّق بالصّلاة مع قصد القربة في مثل قوله عليه السلام : « دعي الصّلاة أيّام أقرائك » فليست العبادة الواردة في لسان الأدلّة العبادة الشأنيّة بل إنّها ناظرة إلى مقام الفعل والقصد . وأمّا الثّاني : ( وهو النقض بالعبادات الذاتيّة ) فلأنه التزام بنفس الإشكال وإقرار بأنّه لو لم تكن العبادة ذاتيّة كان الإشكال وارداً ، فيكون الجواب أخصّ من الإشكال . فالوجه الصحيح والتامّ من الوجوه الأربعة إنّما هو الوجه الرابع وهو كفاية الحرمة التشريعيّة لفساد العمل . ثمّ إنّ للمحقّق الحائري قدس سره في المقام تفصيلًا آخر ، وهو التفصيل بين ما إذا تعلّق النهي بنفس المقيّد وهي الصّلاة المخصوصة مثلًا ( كأن يقال مثلًا لا تصلّ في الحمّام ) وما إذا تعلّق النهي بأمر آخر يتّحد مع الطبيعة المأمور بها ( كأن يقال مثلًا « كون صلاتك في الحمّام حرام » أو « كون صيامك في العيدين حرام » ) ففي الصورة الأولى يوجب النهي الفساد من جهة عدم إمكان كون الطبيعة من دون تقييد ذات مصلحة توجب المطلوبيّة ، والطبيعة المقيّدة بقيد خاصّ ذات مفسدة توجب المبغوضيّة ، لأنّ الجهة الموجبة للمبغوضيّة ليست مباينة لأصل الطبيعة حتّى في عالم الذهن ، فلا يمكن أن تكون مبغوضاً ويكون أصل الطبيعة محبوبة من دون تقييد . وبعبارة أخرى : لو بقيت المحبوبيّة التي هي ملاك الصحّة في العبادة في المثال يلزم كون الشيء الواحد خارجاً وجهةً محبوباً ومبغوضاً وهو مستحيل ، وأمّا الصورة الثانيّة فالصحّة والفساد فيها يبتنيان على كفاية تعدّد الجهة في تعدّد الأمر والنهي ولوازمها من القرب والبعد